"كنت أستضيف أخواتي لتناول الغداء كل يوم جمعة في منزل العائلة، لكنني توقفت عن هذا التقليد بعد ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن"، هكذا صرح أحمد سيد، البالغ من العمر 40 عامًا، كاشفًا عن تأثير ارتفاع الأسعار عليه اجتماعيًا.

 

ومع اقتراب المصريين من شهر رمضان المبارك، قال موقع "ميدل إيست مونيتور"، إن المصريين يواجهون معضلة كبيرة وسط مناخ التقشف الذي يُشكّل الآن العلاقات الاجتماعية، مدفوعًا بالتضخم وانهيار العملة المحلية وانخفاض الأجور وارتفاع أسعار السلع الأساسية.

 

وأثرت التحولات السلبية الملحوظة على أنماط العلاقات الاجتماعية والزيارات العائلية بين المصريين، في ظل تدهور الوضع الاقتصادي منذ الانقلاب الذي قاده عبدالفتاح السيسي ووصوله إلى السلطة في عام 2014.

 

تراجع في الاحتفالات العائلية

 

ويشتهر المصريون بإقامة موائد رمضان، وهي تجمعات عائلية تجمع الأقارب. إلا أن هذا التقليد تراجع بشكل حاد في السنوات الأخيرة. فقد بلغ التضخم مستوى تاريخيًا قدره 38 بالمائة في سبتمبر 2023، ثم انخفض إلى 31.8 بالمائة في أبريل 2024، قبل أن يتراجع أكثر إلى 11.9 بالمائة على أساس سنوي في يناير 2026.

 

وقال أبو وليد صلاح، البالغ من العمر 65 عامًا، لموقع "ميدل إيست مونيتور": "أتذكر خلال أحد أيام رمضان في التسعينيات، أنني وزوجتي وطفليّ دُعينا إلى 27 إفطارًا. استضفنا أقاربنا بأنفسنا لمدة ثلاثة أيام، في وقت كانت فيه الحياة رخيصة وبسيطة ومتاحة للجميع".

 

لكن في الوقت الراهن تلاشت تجمعات الإفطار الجماعية داخل العائلات المصرية - والتي تعد تعبيرًا رئيسًا عن الحفاظ على روابط القرابة- في مواجهة الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية، وبخاصة البروتين الحيواني.

 

وفي الثقافة الشعبية المصرية، يُعتبر من غير اللائق استضافة الضيوف دون تقديم اللحم، سواءً كان أحمر أو أبيض، على المائدة. إلا أن سعر لحم البقر ارتفع إلى 440 جنيهًا للكيلوجرام، والدواجن إلى أكثر من 100 جنيه للكيلوجرام، وسمك البلطي إلى 100 جنيه للكيلوجرام. 

 

بالإضافة إلى ارتفاع حاد في أسعار الخضراوات والفواكه والحلويات، وهي جميعها عناصر أساسية على المائدة المصرية.

 

ووجدت دراسة أجريت عام 2022 وشملت 6000 أسرة في جميع أنحاء مصر أن 85 في المائة خفّضوا استهلاكهم للحوم، بينما قلل 75 في المائة من استهلاكهم للدواجن والبيض بسبب ارتفاع الأسعار، وفقًا للمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية (IFPRI).

 

تراجع التواصل


قالت منى عبد الله، البالغة من العمر 45 عامًا، إنها وزوجها اعتادا تلقي دعوات عديدة لتناول الإفطار خلال شهر رمضان من والديها وإخوتها وأفراد عائلتها الممتدة. إلا أن هذه الدعوات اختفت أو أصبحت نادرة في السنوات الأخيرة.

 

وقالت لموقع "ميدل إيست مونيتور": "ارتفاع الأسعار هو السبب. فمثلاً، قد تصل تكلفة وجبة إفطار في رمضان - إذا دُعيت عائلتان - إلى 2000 جنيه مصري. وهذا مبلغ كبير يُرهق ميزانية الأسرة ويستنزف ربع راتب زوجي الشهري البالغ 8000 جنيه".

 

وفي دراستها بعنوان "الأثر الاجتماعي للأزمة الاقتصادية على الأسر المصرية: دراسة ميدانية لشرائح من الطبقة المتوسطة في القاهرة"، خلصت الباحثة أسماء محمد نبيل إلى أن الارتفاع المستمر في أسعار الغذاء والطاقة وغيرها من السلع والخدمات قد أدى إلى تغييرات جوهرية في أنماط الاستهلاك وإدارة الإنفاق المنزلي. 

 

كما وجدت أن الأزمة الاقتصادية قد أثرت على استقرار الأسرة، وساهمت في ظهور مشكلات أسرية، وقللت من مستوى التواصل داخلها.

 

أنماط الضيافة المتغيرة


كما تأثرت ممارسات الضيافة بضغوط اقتصادية متزايدة. فبينما كان المضيف يتحمل في السابق التكلفة الكاملة للتجمعات العائلية، أصبح العديد من الأسر المصرية الآن تتقاسم مسؤولية إعداد الطعام، حيث يحضر كل ضيف طبقًا أو طبقين لتخفيف العبء عن المضيف، وهي ممارسة لم تكن مقبولة اجتماعيًا في الماضي.

 

قال محمد عبد الفتاح، وهو مندوب مبيعات: "لا أستطيع تحمل تكاليف تنظيم تجمع عائلي. قد يشكو والدي وإخوتي من هذه المسافة، التي فرضتها الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار، فضلاً عن الضغوط المالية التي أواجهها ودخل شهري لا يغطي نفقات أسرتي".

 

وأدت مظاهر التقشف الاجتماعي إلى تغيير العلاقات بين المصريين. فبالإضافة إلى تراجع الولائم العائلية والزيارات بين الأقارب، انخفض تبادل الهدايا أيضًا. 

 

جرت العادة أن يحضر الضيوف الحلويات والفواكه عند زيارة المضيف، كما انخفضت المبالغ المالية التي تُقدم للأطفال خلال العيد. بل إن البعض توقفوا عن زيارة الأقارب تماماً بسبب ارتفاع تكاليف الزيارة، أو خجلاً من القدوم خاليي الوفاض.

 

ويُضاف إلى تكلفة المواد الغذائية الزيادات المتتالية في أسعار الوقود وارتفاع أسعار المواصلات العامة، مما يدفع البعض إلى الامتناع عن زيارة الأقارب، وخاصة أولئك الذين يعيشون في مدن أو محافظات أخرى.

 

الحفاظ على الروابط الأسرية عن بعد


أدت هذه التغيرات الملحوظة في حياة المصريين إلى ظهور نمط جديد من العلاقات يقوم على الحفاظ على الروابط الأسرية عن بُعد عبر المكالمات الهاتفية أو محادثات الفيديو على منصات التواصل الاجتماعي. 

 

ويعكس هذا التحول صعوبة الزيارات الشخصية وارتفاع تكاليفها، بما في ذلك إعداد الطعام والمواصلات والهدايا، فضلاً عن الأموال التي تُقدم للأطفال خلال عيد الأضحى. 

 

كما أثرت تغييرات أخرى على العلاقات الاجتماعية، حتى في حالات الضرورة القصوى كالجنازات والأمراض الخطيرة وحفلات الزفاف. وفي كثير من الأحيان، ولا سيما بالنسبة لمن يسكنون في محافظات نائية، استُبدلت الزيارات المباشرة بالمكالمات الهاتفية. 

 

واقتصرت الالتزامات الاجتماعية بشكل متزايد على الأقارب من الدرجة الأولى، بينما تراجعت الروابط مع الأقارب الأبعد.

 

وفي المقابل، تستمر العديد من الأسر المصرية، لا سيما في المناطق الريفية وصعيد مصر، في مقاومة هذه الضغوط والقيود المالية، بخاصة خلال شهر رمضان. يخصص بعضها مدخرات خاصة لهذا الشهر، أو يشارك في نظام ادخار دوري، حيث يساهم أفراد الأسرة بمبلغ شهري ثابت ويتناوبون على استلام المبلغ الإجمالي، وذلك للحفاظ على تماسك الأسرة والاجتماع حول مائدة واحدة.

 

واقع جديد


مع استمرار ارتفاع الأسعار، بالتزامن مع رفع الدعم الحكومي عن الخدمات الأساسية - كالماء والكهرباء والغاز والوقود - وفشل الحكومات المتعاقبة في كبح جماح الأسعار، تضررت كل من الطبقات الفقيرة والمتوسطة بشدة. وتواجه الآن واقعًا جديدًا يُعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية نحو مزيد من العزلة، وضعف الروابط الأسرية، وتجنب التواصل المباشر، الأمر الذي بات يُشكل عبئاً مالياً.

 

قال ربيع علي، وهو موظف في القطاع العام، إنه لم يزر مسقط رأسه في صعيد مصر، منذ أربع سنوات، على الرغم من أن إخوته يعيشون هناك. وعزا ذلك إلى ارتفاع أسعار المواصلات بين القاهرة وسوهاج، فضلاً عن العرف الاجتماعي المتمثل في إحضار الهدايا عند الزيارة، وهو أمر بات صعباً في ظل ارتفاع الأسعار وانخفاض الدخل.

 

وأصبح تراجع التفاعل الاجتماعي ظاهرة ملحوظة في مصر. ويرى الباحث السياسي محمد جمعة أن هذا التراجع هو أحد تبعات الفقر وارتفاع تكاليف المعيشة والأسعار، مما دفع الناس إلى الانعزال، والاكتفاء بتلبية احتياجاتهم الأساسية من طعام وشراب، دون أن يتبقى لديهم الكثير ليقدموه لأقاربهم. ونتيجة لذلك، تضاءلت الزيارات والمجاملات الاجتماعية، وضعفت روح التضامن في المجتمع.

 

وفي مايو 2019، صرّح البنك الدولي في بيان صحفي بأن "نحو 60 بالمائة من سكان مصر إما فقراء أو معرضون للخطر". ومع ذلك، تشير تقارير غير رسمية إلى أن معدلات الفقر قد ارتفعت أكثر بعد قرار تعويم العملة الوطنية في مارس 2024، عندما وصل سعر الدولار إلى حوالي 47 جنيهاً مصريًا في السوق الرسمية.

 

ودعا الشيخ أحمد طه، الداعية الأزهري، إلى رأب هذا الصدع الاجتماعي. وحذر من الاعتقاد الخاطئ بأن الحفاظ على الروابط الأسرية يستلزم بالضرورة تقديم الهدايا. وأكد أن تقديم الدعم للأقارب والمرضى أمرٌ محمود، لكن فقط لمن يستطيعون ذلك. أما بالنسبة لمن لا يستطيعون، فقد استشهد بالآية القرآنية: "لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها" (البقرة: 286).

 

لا تزال الزيادات الباهظة في الأسعار خلال فترة حكم عبدالفتاح السيسي تُثقل كاهل المصريين وتُؤثر سلبًا على علاقاتهم الاجتماعية. وهذا يُثير مخاوف بشأن هشاشة الروابط الأسرية، والتفكك الأسري، وانقطاع صلات القرابة، مع تصاعد التوترات الشخصية، والإضرار بالاستقرار والتماسك الاجتماعي.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260217-rising-prices-strain-family-ties-in-egypt/